French Arabic Chinese (Traditional) English German
  • img 2526-1
  • img 2535
  • sam 0089
  • k1024 img 4930
  • hanin03
Note des utilisateurs: / 17
MauvaisTrès bien 

 الحماية الجزائية للملكية العقارية

إن البحث عن محل الحماية الجزائية للملكية العقارية يطرح من زاويتين الأولى تتمثل فيما إذا كانت الحماية مقررة للعقار بطبيعته أم للعقار بالتخصيص بينما تتمثل الثانية في مفهوم الملكية العقارية في حد ذاتها.

ففيما يتعلق بالمسألة الأولى انقسم الرأي إلى اتجاهين

الأول يرى أن الحماية المقصودة في المادة 386 من قانون العقوبات تتعلق بالعقار بطبيعته و ليس فقط الأموال المنقولة التي يعتبرها القانون   عقارات بالتخصيص (1) ،الثاني يرى أن المقصود بالحماية هو العقار بالتخصيص باعتباره منقولا في الأصل يجوز انتزاعه من مالكه بينما العقارات بطبيعتها فلا يتصور نزعها بل يبقى الفصل في الاعتداء عليها من اختصاص القاضي المدني.

و المشرع الجزائري بتنظيمه لهذه المادة إنما أراد أن يسد الثغرة الموجودة في المادة 350 من قانون العقوبات التي تجرم فعل اختلاس الأموال المنقولة فبقيت العقارات بالتخصيص دون حماية كونها منقولات تحولت إلى عقارات بتخصيصها لخدمة العقار. (2)غير أننا نذهب إلى خلاف هذا الرأي إذ أنه حتى لو افترضنا أن المشرع أراد حماية العقارات بالتخصيص لعدم شملها بالمادة 350 من قانون العقوبات فلماذا يجعل الخلسة أو التدليس عنصرين أساسيين في قيام جريمة التعدي على الملكية العقارية لولا أنه أراد تحقيق الحماية الجزائية للعقارات بطبيعتها و كذا بالتخصيص. (3)أما فيما يتعلق بالمسألة الثانية فإن مفهوم الملكية العقارية يختلف بحسب المرجع القانــوني فهي ملكية الــرقبة

و الانتفاع وفقا لأحكام القانون المدني الجزائــري تخـول مالك العقــار سلطات ثلاث الاستعمــال، الاستغلال و التصرف، بينما تأخذ صور أخرى إذا ما اعتمدنا على التشريعات الخاصة حيث يعد حق الانتفاع بموجب قانون المستثمرات الفلاحية و قانون الثورة الزراعية و قانون التوجيه العقاري . (4) بمثابة حق ملكية نظرا لاتصافه بالديمومـة و القابلية للانتقال إلى الورثة. و بما أن الدستور الجزائري نص على ثلاثة أصناف للملكية العقارية و هي الملكية الخاصة و الوقفية و الوطنية فإن محل الحماية يختلف تبعا لأصناف الملكية و عليه ارت أ ينا تقسيم الفصل الأول على ثلاثة مباحث نتعرض   في المبحث   الأول   إلى محل الحماية الجزائية بالنسبة للملكية العقارية الخاصة و في المبحث الثاني إلى محل الحماية الجزائية بالنسبة للملكية العقارية الوقفية و في المبحث الثالث بالنسبة للملكية العقارية الــوطنية.

1- مجلة الاجتهاد القضائي لغرفة الجنح و المخالفات، عدد خاص، الجزء الأول سنة 2002، ص 53.

2- المرجع السابق، ص 47.

3- جاء خلاف ذلك قرارعن غرفة الجنح و المخالفات المحكمة العليا رقم 221966 مؤرخ في 17/10/2000 "لا يطبق نص المادة 386 من قانون العقوبات على العقارات الثابتة بالتخصيص و التي لا يمكن انتزاعها و نقلها". د/ أحسن بوسقيعة، قانون العقوبات في ضوء الممارسة القضائية، منشورات بيرتي، طبعة 2005- 2006، ص 180.

4- بربارة عبد الرحمن، الحماية الجزائية للأملاك العقارية الخاصة، رسالة ماجستير، جامعة البليدة ،كلية الحقوق، السنة الجامعية 1999-2000 ، ص 07.

المبحث الأول

محل الحماية الجزائية للملكية العقارية الخاصة.

أثارت جريمة التعدي على الملكية العقارية إشكالا من الناحية التطبيقية حول ما إذا كانت حماية المشرع الجزائري تمتد حتى إلى حماية الحائز بمفهوم القانون المدني و قانون التوجيه العقاري و المنتفع في إطار قانون المستثمرات الفلاحية، أم أنها تقتصر على حماية المالك بسند رسمي مشهر بالمحافظة العقارية. فهل تتعلق الحماية بحق الملكية فحسب أم تمتد لتشمل الحيازة؟ سنجيب على هذه الإشكالية في مطلبين حماية الملكية العقارية وحماية الحيازة في العقار.

المطلب الأول

حمايــة ملكيـة العقــار.

يرى أنصار هذا الرأي و الذين اعتمدوا النص العربي للمادة 386 من قانون العقوبات "... كل من انتزع عقارا مملوكا للغير..." أن مجال الحماية الجزائية يقتصر فقط على المالك الحقيقي و لا وجود لجنحة التعدي على الحيازة العقارية، فقانون العقوبات صريح في مادته الأولى " لا جريمة و لا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون ". فضلا على أنه لا يجوز استعمال القياس في مادة القانون الجزائي و أن نصوصه يجب أن تفسر تفسيرا ضيقا. (1)  فالقول أن الحماية تشمل الحيازة إلى جانب الملكية يوسع من دائرة التجريم في حين أن النص العربي و هو الرسمي يحمي الملكية دون الحيازة. (2)

الفرع الأول

مفهوم   الملكية العقارية الخاصة.

يدخل نظام الملكية في صميم القانون المدني و لم يرد تعريف له في قانون العقوبات، لذا فالقاضي الجزائي له الاستعانة بنصوص القانون المدني و القوانين الخاصة. حيث عرفت المادة 674 من القانون المدني الملكية على أنها" حق التمتع و التصرف في الأشياء بشرط ألا يستعمل استعمالا تحرّمه القوانين و الأنظمة" و عرّفت المادة 27 من القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن التوجيه العقاري، الملكية العقارية الخاصة كمايلي: "الملكية العقارية الخاصة هي حق التمتـع و التصرف في المال العقاري و/أو الحقوق العينية من أجل استعمال الأملاك وفق طبيعتها أو غرضها".

و قد يكون العقار في يد شخصين أحدهما صاحب الرقبة و الآخر صاحب حق الانتفاع، فتكون الملكية مجـزأة يتقاسمها مالك الرقبة مع شخص أو أكثر مالك لحق الانتفاع أو حق الاستعمال أو حق السكن على العقار سواء عن طريق التعاقد أو الحيازة أو القانون. فملكية الرقبة هي ملكية العقار بطبيعته أي الوعاء المنصب عليه العقار أما حق الانتفاع فهو حق عيني يخول للمنتفع سلطة استعمال شيء مملوك للغير و استغلاله مع وجوب المحافظة عليه لرده إلى صاحبه عند نهاية الانتفاع الذي ينتهي حتما بموت المنتفع، كما يخول هذا الحق للمنتفع سلطة التصرف في حقه بكل أشكال التصــرف عـدا الاتلاف، فيحق التنازل عليه أو تأجيره أو توقيع رهن عليه. (1) و قد يكون الشخص مالك لحق ارتفاق على عقار باعتباره حق عيني عقاري و الذي عرفته المادة 867 من القانون المدني "الارتفاق حق يجعل حدا لمنفعة عقار لفائدة عقار آخر لشخص آخر" فحق الارتفاق يضم عقارين العقار المنتفع أو المخدوم و العقار المرتفق به أو الخادم. (2) و بالتالي فإن مجال تطبيق المادة 386 من قانون العقوبات هو كافة أنواع الملكية وفق ما ورد في المادة 27 من قانون التوجيه العقاري من حق ملكية و حق انتفاع و حق استعمال و حق سكن و يكون محل الحماية شامل لكل أنواع الملكية العقارية الخاصة. فإذا وجّد العقار في يد شخصين أحدهما مالك للرقبة و الآخر مالك لحق الانتفاع أو الاستعمال أو السكن و تعرض هذا العقار للتعدي قد يثور تساؤل عن صاحب الصفة في رفع الشكوى، في هذه الحالة نميّز بين محل التعدي فإن وقع هذا الأخير على ملكية الرقبة فإن المالك لها هو من تخلص له صفة الشاكي و إن وقع على ملكية حق الانتفاع أو الاستعمال أو السكن دون المساس بالرقبة فيكون المنتفع أو المستعمل أو الساكن هو المضرور و بالتالي يكون صاحب الصفة في رفع الشكوى و المطالبة بالتعويض المدني.

أما فيما يخص حق الارتفاق فمن الناحية النظرية و باعتباره حق عيني أصلي على عقار فيحق لمالكه رفع شكوى ضد المعتدي على العقار المرتفق به إلا أنه من الناحية التطبيقية يصعب تصور وقوع تعدي على حق ارتفاق خاصة أن الجريمة تشترط أن يقع التعدي خلسة أو تدليسا. في كل هذه الأحوال إذا ادعى الشاكي ملكية حق من هذه الحقوق على القاضي أن يطلب اثبات الملكية من طرف الضحية.

1- أ/حمدي باشا عمر، حماية الملكية العقارية الخاصة، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع- الجزائر 2002، ص 130.

2- سارت غرفة الجنح و المخالفات للمحكمة العليا في هذا التجاه في قرار رقم 75919 مؤرخ في 05/11/1991 " تقتضي جنحة التعدي على الملكية العقارية للغير أن يكون العقار مملوكا للغير و من ثم فإن قضاة الموضوع الذين أدانوا الطاعنين بهذه الجنحة دون أن يكون الشاكي مالكا حقيقيا للعقار يكونوا قد أخطؤوا في تطبيـق القانـون"

د/ أحسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 179.

الفرع الثاني

خصائص حق الملكية العقارية الخاصة.

حق الملكية في التشريع الجزائري حق ذاتي له وظيفة اجتماعية و بالتالي فهو ليس حق مطلق. و يجمع الفقه على أن خصائص حق الملكية ثلاثة فهو حق جامع و مانع و دائم.

أولا: الملكية العقارية الخاصة حق جامع مانع.

حق الملكية العقارية حق جامع و مانع فأما عن أنه حق جامع فلأنه يخول لصاحبه أوســع السلطات الممكـن وجودها على الشيء محل الملكية فله أن يجني جميع المنافع الاقتصادية التي يحتويها عقاره و كل الفوائد التي يمكـن أن يقدمها، و بعبارة أخرى للمالك أن يفعل ما يشاء في ملكه إلا ما منعته القوانين و الأنظمة. (1)

أما عن كونه حق مانع فذلك لأنه مقصور على صاحبه يحتج به تجاه الكافة و له حق التتبع و حــق الأفضلية و بإمكانه استعمال دعوى الاستحقاق للمطالبة بملكيته و دعوى منع التعرض على ملكيته العقارية.

و رغم أن الملكية العقارية تتميز بالصفة الجامعة و المانعة إلا أن هناك قيود تحد منها مثل حق الارتفاق المقرر في الملكية العقارية و ما يقع على المالك من التزامات الجوار في فتح المطلات و المناور. (2) إلى جانب جواز نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة.

و تجدر الإشارة إلى أن القانون المدني الجزائري جاء خاليا من التعبير الصريح عن هاتين الخاصيتين عكس القانون المدني المصري الذي نص في المادة 802 منه حين عرّف الملكية أنها حق لمالك الشيء وحده.

1- أ/ليلى زروقي، محاضرة بعنوان"استغلال الأراضي الفلاحية التابعة للأملاك الوطنية" ملقاة على الطلبة القضاة الدفعة الخامسة عشر.

2- عمار علوي، الملكية و النظام العقاري في الجزائر، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع 2004، ص129.

ثانيا: الملكية العقارية حق دائم.

المقصود بهذه الخاصية أن حق الملكية العقارية لا يرتبط بمدة زمنية معينة فهو يدوم بدوام محله، فصفة التأبيد ترد على موضوع الحق و ليس على صاحبه، و تبقى قائمة و مستقلة عن استعماله فلا تزول بعدم الاستعمال و هذا ما يشكل الوجه الآخر لصفة الدوام. و مع اعتماد المشرع الجزائري لنظام الشهر العيني تبعا لأحكام الأمر 75/74 المؤرخ في 12/11/1975 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري و المرسوم 76/62 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل والمتمم بالمرسوم رقم 84/400 المؤرخ في 24/12/1984، والمرسوم رقم 92/138 المؤرخ في 07/04/1992 المتعلق بإعداد المسح العام للأراضي فإن اكتساب العقار بالتقادم غير ممكن لأن الهدف من المسح ضبط الملاك مع تحديد مجال ملكيتهم مما يدعم صفة الدوام لحق الملكية العقارية، و لو لم يتم استعماله. (3)

المطلب الثاني

حماية الحيازة في العقـار.

ذهب الكثير من رجال القانون و القضاء إلى أن ملكية الغير المحمية وفقا لأحكام المادة 386 من قانون العقوبات هي الملكية المثبتة بسند رسمي ثم الحيازة الظاهرة المشروعة غيــر المتنازع عليها و التي فصل في شأنها القضـاء المدني. (4) و قد اعتمــد مساندوا هـذا ااــرأي على النص الفــرنسي للمــادة 386 من قانـون العقوبــات " … dépossède autrui d'un bien immeuble… " و قد فسرت المحكمة العليا هذه المادة في عدة قرارات لها على أساس أن الحماية الجزائية مقررة سواء للحيازة الحقيقية أو الفعلية. و من بين هذه القرارات قرار صادر عن الغرفة الجزائية للمحكمة العليا رقم 70 مؤرخ في 02/02/1988 و جاء فيه: "يستفاد من صريح نص المادة 386 من قانون العقوبات المحرر باللغة الفرنسية أن الجنحة تتحقق بانتزاع حيازة الغير لعقار خلسة أو بطريـق الغش و بناء على ذلك فلا جريمة و لا عقاب إذا لم يثبت الاعتداء على الحيازة". (1) و قرارين صادرين عن غرفة الجنح و المخالفات الأول تحت رقم 117996 مؤرخ في 21/05/1995 و الثاني رقم 112646 مؤرخ في 09/10/1999 غير منشورين جاء فيهما "إن المشرع لا يقصد بعبارة "المملوك للغير" الملكية الحقيقة للعقار فحسب و إنما يقصد بها أيضا الملكية الفعلية و لذا ينبغي أن تؤخذ هذه العبارة بمفهومها الواسع الذي لا يقتصر على الملكية حسب تعريفها في القانون المدني بل يتعداها ليشمل أيضا الحيازة القانونية". (2) نحن نؤيد هذا الموقف كون المادة 386 من قانون العقوبات جعلت لحماية الأشخاص من الاعتداء على العقارات الموجودة بين أيديهم دون اشتراط ملكيتهم لها بمفهوم الملكية في القانون المدني فالقاضي الجزائي لا ينظر في أصل الحق بفحصه مدى وجود الملكية من عدمها بل يقتصر دوره على البحث في مدى وجود اعتداء على عقار موجود في يد الضحية و لو لم تتوفر في هذا الأخير صفة المالك بل تكفي حيازته للعقار.

1- راجع المواد 690 و ما بعدها من القانون المدني.

2- عبد الرحمن بربارة، المرجع السابق، ص 11.

3- المرجع السابق، ص 13.

4- المرجع السابق، ص 74 .

 الفرع الأول

تعريف الحيازة في العقار.

تجد الحيازة مبرراتها في كونها تهدف إلى المحافظة على استقرار المعاملات و حماية النظام العام فينمع على أي شخص و لو كان هو المالك الحقيقي اغتصاب الحيازة من يد صاحبها. فالحيازة سلطة فعلية لشخص على شيء من الأشياء المادية فهو المظهر المادي للملكية، و لهذا كان وضع اليد شبيها في الظاهـر بالملكية بل كثيـرا ما يختلط بها.

الأصل أن تجتمع الملكية و الحيــازة في شخص المالك فيباشر كافـــة الأعمال الماديــة و القانونيــة لكن قد يكون بالنسبة للعقــار الواحــد شخص مالك، له سلطة قانونيــة و آخر غير مالك يكون بيده العقــار و ليس له إلا سلطة فعلية فيقوم باستغلاله بمباشــرة أعمال مادية مما يقوم بها عادة المالك على النحو الــذي يقتضيه هذا الحــق، لذا قد تتشابه الحيازة و الملكيـة فالأولى تعد الوضع الظاهــر للثانية فتتمتع بالحمايــة الجزائيـة إذا كانت قــانونية و مشروعــة.

 1- أ/ حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 131.

2- د/ أحسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 180.

 الفرع الثاني

أركـان الحيازة و شـروط صحتها.

أولا: ركنا الحيازة.

حتى تقوم الحيازة يجب أن تكون للشخص السيطرة المادية على العقار و عنصر القصد و هو الركن المعنوي. فتخلص السيطرة المادية للحائز إذا كانت له سلطة مباشرة الأعمال المادية على غرار الأعمال التي يقوم بها المالك عادة على ملكه. أما عنصر القصد فهو اتجاه نية الحائز إلى تملك العقار و ظهوره أمام الملأ بمظهر صاحب الحق. (1) فإذا توفرت الحيازة على هذين الركنين فإن القانون يرتب عليها أثرين الأول استحقاقها للحماية لذاتها و الثاني اعتبارها سبب لكسب الملكية. (2)  و السؤال الذي يطرح نفسه علاقة مفهوم الحيازة المحمية جزائيا بمفهومها في القانون المدني أي هل غياب الركن المعنوي للحيازة يحول دون استحقاقها الحماية الجزائية ؟.

نرى أنه إذا كانت الحيازة التي تخلف عنها الركن المعنوي أي الحيازة العرضية (مثل حيازة المستأجر) لا تصلح لأن تكون سببا لكسب الملكية فإن القانون المدني يحميها إذا ما تم نزعها من يد صاحبها عنوة فيستطيع استردادها بدعوى استرداد الحيازة و هي الدعوى الوحيدة التي يمكن له رفعها لحماية حيازته في مواجهة من ينتوعها منه و هذا حفاظا على الوضع الظاهر و على استقرار النظام العام. (3) فبصفة أولى أن لا تتطلب الحماية الجزائية توفر الركن المعنوي فيكفي لحماية الحائز جزائيا أن يكون مجرد صاحب وضع مادي فيحمى و لو في مواجهة المالك ذاته تطبيقا لقاعدة عدم إمكان الشخص من إقتضاء حقه بنفسه بل عليه اللجوء إلى القضاء لنيل حقه من القسم المدني و طرد الحائز غير الشرعي من ملكيته بدلا من أن يتعرض له و ينتزع منه الحيازة، هذا كون أن حصول الحائز المعتدى عليه على حماية جزائية لحكم جزائي بالإدانة لا ينشء له حقا و إنما يتوقف دور هذا الحكم عند حد حمايته من الاعتداء و يبقى الحكم المدني صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير الحقوق أو إنشائها.

إلى جانب إستفاء الحيــازة لركنيها على النحـو الـذي تم بيانه يجب أن تتوفــر على شــروط صحتها.

1- أ/ زودة   عمر ، محاضرا ت بعنوان "الحيازة" ألقيت على الطلبة القضاة، الدغعة الخامسة عشر .

2- ذهب القانون العقوبات المصري الصادر سنة 1982 في المادة 369 إلى معاقبة التعدي على الحيازة بنصها "كل من دخل عقارا في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة أو بقصد ارتكاب جريمة فيه أو كان قد دخله بوجه قانوني و بقي فيه بقصد ارتكاب شيء مما ذكر، يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة أو بغرامة لا تجاوز ثلاث مائة جنيه مصري" أ/ عز الدين الدناصوري، حامد عكاز، الحيازة المدنية و حمايتها الجنائية في ضوء الفقه و القضاء متضمنة تعديلات القانون 23 لسنة 1992، ص 496.

3- يرى الأستاذين عز الدين الدناصوري و حامد عكاز فيما يخص دعوى استرداد الحيازة أ.نه لا يشترط لرافع الدعوى أن يكون حائزا أصيلا أي يحوز لحساب نفسه و إنما يكفي فيه أن يكون حائزا حيازة مادية أو عرضية أي لحساب غيره فيطالب باسترداد حيازة حق الملكية في حين أنه يكون صاحب حق انتفاع أو مرتهنا رهنا حيازيا أو مستأجرا أو حارسا قضائيا و هو ما يثبت من الفقرة الثانية من المادة 958 من القانون المدني المصري ".. يجوز أيضا أن يسترد الحيازة من كان حائـزا بالنيابـة عن غيره.." و هو مثل الحائز العرضي مجرد من عنصر القصد في الحيازة و ليس لديه إلا السيطرة المادية.

 ثانيا: شروط صحة الحيازة.

لا تخلص الحيازة للحائز إلا و هي خالية من العيوب أي يجب أن تتوفر فيها شروط الصحة و هي: الهدوء،

الوضوح، الاستقرار،العلنية.

1- الهدوء : أي أن يتمكن الحائز من الانتفاع بالعقار المحوز في غير عنف أو قوة وأن لا يقترن وضع اليد بالاكراه المادي أو المعنوي من طرف الحائز وقت بدئه. و تكون الحيازة مشوبة بعيب الاكراه إذا حصل عليها صاحبها بالقوة أو التهديد ابتداء و كذلك إذا حصل عليها الحائز بالغش و التواطىء عن طريق استعمال طرق احتيالية و يظل وضع اليد مشوبا بهذا العيب ما دامت القوة أو التهديد باقية لم تنقطع. بينما إذا انقطع الاكراه و بقي الحائز بعد انقطاعه مستمرا في وضعيته و أصبح وضع اليد هادئا واضحا فمن وقت زوال التهديد تعتبر الحيازة هادئة و صحيحة و تبدأ في إنتاج آثارها من وقت زوال العيب، أما التعدي الذي يقع أثناء وضع اليد الذي بدأ هادئا و يمنعه الحائز يظل هادئا على الرغم من ذلك، فالعبرة بوقت بدأ الحيازة. (1)

و تقدير شرط الهدوء مسألة واقعية يستقل بها قاضي الموضوع، فهو الذي يقدر مدى توافر أو عدم توافـر هذا

الشرط دون رقابة عليه في ذلك من المحكمة العليا طالما كان استخلاصه سائغا. و يمكنه ذلك من وقائـــع الدعوى و أوراقها أو من شهادة الشهود.

2- العلنية : يقصد بها ممارسة الحائز حيازته على مرأى من الناس أو على الأقل على مرأى من المالك أو صاحب الحق و أن تكون الأفعال الدالة على وضع اليد واضحة و يفهم منها أن واضع اليد إنما يدير العقار كمالك، فالعلنية هي إمكان العلم بوضع اليد لا العلم الفعلي، فلا يلزم أن يعلم المالك بوضع يد الحائز على سبيل اليقين بل يكفي من الظهور بحيث يستطيع المالك العلم به.

3- الوضوح : و يقصد به ألا تكون الحيازة مشوبة بعيب اللبس و الغموض. و تكون الحيازة كذلك إذا وقع اللبس أو الغموض فيما يخص الركن المعنوي في وضع اليد، و الذي يكون ناتجا عن احتمال النية لأكثر من معنى مما يوقع الغير في غموض.

4- الاستقرار : معناه أن يكون واضع اليد على اتصال مباشر بالعقار المحوز  و أن تتوالى منه أعمال السيطرة المادية في فترات منتظمة و متقاربة و قاطعة على الدلالة في انتفاعه بالعقار المحوز. و هذا أمر حتمي كون أن تجريـــم

الاعتداء مرجعه حماية استقرار الأشخاص من كل ما يؤدي إلى اضطراب هذا الاستقرار.

 1- أ/ زودة عمر، المرجع السابق.

 قد يثور تساؤل على اشتراط استمرار الحيازة مدة سنة كاملة حتى تحضى بالحماية. إذا ما رجعنا إلى أحكام المواد 413 من قانون الإجراءات المدنية و 820 ،821 من القانون المدني نجدها تشترط أن تدوم الحيازة مدة سنة كاملة لإضفاء الحماية عليها غير أن هذا الشرط مقتصر على حالتي التعرض للحيازة أو إقامة أعمال جديدة من شأنها عرقلة الانتفاع بالعقار المحوز حيث استثنت المادة 413 من قانون الإجراءات المدنية حالة اغتصاب الحيـازة. فيحق لمـن اغتصبت منه الحيازة أن يرفع دعوى قضائية   لاستردادها و لو لم يحز العقار لمدة سنة كاملة. و أكدت المادة 414 من نفس القانون هذا الحق فنصت على أنه "يجوز رفع دعوى استرداد الحيازة للعقار أو حق عيني عقاري لمن اغتصبت منه الحيازة بالتعدي أو الاكراه و كان له وقت حصول التعدي أو الاكراه الحيازة المادية أو وضع اليد الهادىء العلني".

إن هذه الحالة يشتبه فيها اغتصاب الحيازة بالتعدي المجرم بالمادة 386 من قانون العقوبات و ذلك لاتحادهما في عنصري التعدي و الاكراه. فإذا كانت الحماية المدنية لا تشترط في هذه الحالة دوام الحيازة مدة سنة كاملة فإنه بصفة أولى عدم اشتراطها لإضفاء الحماية الجزائية عليها.

إذا توافرت في الحيازة شروط الصحة تولد الحق في حمايتها جزائيا من كل اعتداء حتى و لو صدر من المالك الحقيقي إذ لا يجوز له سلب الحيازة بالقوة (1) حفاظا على الوضع الظاهر و النظام العام. ومن ثم فإن تطبيق المادة 386 منم قانون العقوبات يصبح أمرا حتميا ضد كل من يريد إنصاف نفسه بنفسه دون المرور بالقضاء بحيث أن النزاع حول الملكية يبقى تحت مراقبة الدولة و يصفى بواسطة أجهزتها المختصة و إلا عمت الفوضى و كثرت المشاجرات و المآسي. (2)

1- قرار محكمة عليا رقم 203501 صادر في 26/07/2000 "من الثابت في قضاء هذه المحكمة أن الحيازة الهادئة في حد ذاتها تمنح حقوقا مكتسبة للطرف المتواجد في الأرض محل النزاع و بالتالي يتعين على الطرف الآخر الذي يدعي ملكيته لها أن يسعى للحصول على حكم نهائي لصالحه يقضي بالطرد منها و أن يقوم بتنفيذه طبقا للقانون و إلا كان هو المعتدي إذا حاول استرجاع الأرض بناء على وثائق في حوزته "، مجلة الاجتهاد القضائي لغرفة الجنح و المخالفات، المرجع السابق، ص 149.

2- المرجع السابق، ص 55.

 المبحث الثاني

محل الحماية الجزائية للملكية العقارية الوقفية.

الوقف نظام مأخوذ من التشريع الإسلامي و هو ما يعرف بـ "الحبوس". و أصدق تعريف مصور جامع لصور الوقف عند الفقهاء حسب الإمام محمد أبو زهرة هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بــها مـع بقاء عينها و جعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء و انتهاء و قد اشترطت بعض المذاهب أن تكون العين الموقوفة صالحة للبقاء يمكن تنفيذ حكم التأبيد فيها و لهذا قرروا   أن الأصل في الوقف أن يكون عقارا و جواز وقف غير العقار في أحوال استثنائية. (1)

و بما أننا بصدد دراسة الحماية الجزائية للملكية العقارية فإن ما يهمنا هو الوقف الذي يكــون محلـه عقــارا و للتفصيل فيه سنتطرق ابتداء إلى تعريف الملكية العقارية الوقفية في مطلب أول ثم إلى أركان الوقف و شروطه في مطلب ثاني.

المطلب الأول

تعريـف الملكية العقـارية الـوقفية.

عرفت المادة 31 من القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتعلق بالتوجيه العقاري الأملاك الوقفية على أنها الأملاك العقارية التي حبسها مالكها بمحض إرادته ليجعل التمتع بها دائما تنتفع به جمعية خيرية أو جمعية ذات منفعة عامة سواء أكان هذا التمتع فوريا أو عند وفاة الموصين الوسطاء الذين يعينهم الملك المذكور.

من خلال قراءة هذه المادة نلاحظ أنه حتى و لو أن الوقف في النهاية تصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البر و الخير (2) إلا أن هذه المنفعة قد تؤول إليهم من تاريخ إنشاء الوقف أي فورا أو بعد فترة من إنشائه خلالها ينتفع بالعقار أشخاص أوصى عليهم الواقف أي عينهم، و لا تنتقل المنفعة إلى جهات الخيــر إلا بعد وفاتهم. و عليه فالوقف نوعان عام و خاص، و بعد أن كان ينظمهما القانون رقم 91/10 المؤرخ في 27/04/1991 المتعلق بالأوقاف إلا أن القانون رقم 02/10 المؤرخ في 14/12/2002 المعدل و المتمم للقانون رقم 91/10 قد أخرج الوقف الخاص من هذا الأخير ليخضعه لأحكام القانون رقم 84/11 المؤرخ في 09/06/1984 المتضمن قانون الأســرة المعدل و المتمم في الفصل الثالث منه المتضمن للمواد من 213 إلى 220، حيث جاءت المادة الثانية من القانون رقم 02/10 كما يلي: "يحدد هذا القانون القواعد العامة لتنظيم الأملاك الوقفية العامة و تسييــرها و حفظها و الشـروط و الكيفيات المتعلقة باستغلالها و استثمارها و تنميتها. يخضع الوقف الخاص للأحكام التشريعية و التنظيمية المعمول بها". و قد ألغت المادة 06 منه كل من المواد 07-19-22-47 من قانون الأوقاف و هي المواد التي كانت تنظم الوقف الخاص.

1- الإمام محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، ص 110.

2- المادة 03 من القانون رقم 91/10 المؤرخ في 27/04/1991 المتعلق بالأوقاف.

 أولا: الوقف العــام.

هو الوقف الـذي يحبس فيه المالك ملكه على جهات خيرية تنتفع به من وقت إنشائه و ينقسم بدوره إلى قسميـــن:

- وقف عام محدد الجهة: و هو الوقف الذي يحدد فيه صاحبه مجال معين يصرف عليه ريعه على ألا يصرف على غيـره، إلا إذا استنفذ.

- وقف عام غير محدد الجهة : هو الوقف الذي لا يحدد فيه صاحبه المجال الذي يصرف فيه ريعه فيصرف في نشر العلم و تشجيع البحث فيه و في سبيل الخيرات بصفة عامة.

ثانيا: الوقف الخاص.

هو الوقف الذي يحبس فيه الواقف ملكه على جهة من جهات الخير يعينها على ألا تـــؤول إليها المنفعة إلا بعــد

إنقطاع عقبه من الذكور و الإناث أو غيرهم من الأشخاص الذين يعينهم. هذا يعني أن هناك مجموعتين من الموقوف عليهم يؤول إليهما حق الانتفاع تنتفعان بالعين الموقوفة حسب ترتيب الأولوية. إذ يكون لعقب الواقف من الذكـــور و الإناث أو لأشخاص معينين بداية ثم بعد انقطاعهم ينتقل لجهة خير معينة من طرف الواقف.

و يمكن لهذا الأخير في كلا النوعين أن يحتفظ لنفسه بحق الانتفاع بريع العين التي حبسها مدى الحياة على أن يؤول بعد وفاته إلى الجهات الموقوف عليها.

و تجدر الإشارة إلى أن المقصود بالملكية الوقفية ليس ملكية العقار محل الوقف إذ جاء في المادة 05 من قانون الأوقاف أن الوقف ليس ملكا للأشخاص الطبيعيين و لا الاعتبارين، و هو ما أكدته المادة 17 من نفس القانـون إذ أن الوقف يزيل حق ملكية الواقف دون أن ينتقل إلى الموقوف عليه بل يتمتع هذا الأخير بحق انتفاع فقط. هذا ما يعني أن الملكية تبقى للمولى سبحانه مصداقا لقوله تعالى: ﴿ و لله ملك السموات و الأرض ﴾ . (1) و بالتالي فإن الحماية الجزائية للملكية العقارية الوقفية تؤخذ بمفهوم العقار و ليس بمفهوم الملكية العقارية أي أن المعتدى عليه ليس مالك و إنما يقع الاعتداء إما على العقار أو على حق الانتفاع الذي يملكه الموقوف عليه و هو من له الحق في طلب الحماية على أن يكون الوقف صحيحا.

1- المشرع الجزائري أخذ بالمذهب الشافعي و الحنبلي الذي يعرف الوقف أنه: "حبس العين على حكم ملك الله تعالى و التصدق بالمنفعة على جهة من جهات البر إبتداء و إنتهاء"، حمدي باشا عمر، عقود التبرعات – الهبة- الوصية- الوقف، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع، ص 75.

 المطلب الثاني

أركـان الوقف و شـروطه.

تعتبر الملكية الوقفية من أهم أصناف الملكية العقارية لذلك خصها المشرع بحماية جزائية على غرار باقي أصناف الملكية. غير أن هذه الحماية لا تتأتى إلا إذا كان الوقف صحيحا ولا يكون كذلك إلا إذا تـوافرت أركــانه و شروطه التي سنتناولها من خلال هذا المطلب.

الفرع الأول

أركـــان الـــوقف.

للوقف أربعة أركان: الواقف، محل الوقف، صيغة الوقف، الموقوف عليه، سنشرحها على التوالي:

1- الواقف : هـو مالك العين محل الوقف قبل إنشائه، و يتم إنشاؤه بإرادته المنفردة بموجب عقد مقيد لـدى الموثـق و مسجل لدى مصالح السجل العقاري. (1)

2-     محل الوقف : يقصد بـه العيــن التي يــرد عليها الــوقف فقد تكـون عقـارا، منقــولا أو منفعــة.

3- صيغة الوقف : يصح الوقف سواء تم التعبير عليه باللفظ أو الكتابة أو الإشارة وفقا للقواعد العامة ما دام يعبر عن إرادة الواقف دون مجال للشك.

4-     الموقوف عليه : هو صاحب حق الانتفاع على العين الموقوفة، يحدده الواقف و هو شخص معلوم قد يكون طبيعي

أو معنوي إذا كان الوقف عاما.

الفرع الثاني

شـــروط الــوقف.

لا يكفـي لصحة الـوقف توفــر أركانـه فبالإضافـة إليـها يجب أن يشمـل كل ركـن على شـــروطه.

1- شروط الواقف: يشترط في الواقف لكي يكون وقفه صحيحا أن يكون بالغا عاقلا و غير مكره، هذا ما أكدته المحكمة العليا في قرار لها جاء فيه: "من المقرر شرعا و قانونا أنه يشترط في الواقف أن يكون أهلا للتبرع رشيدا لا مكرها و يشترط في المال المحبس أن يكون مملوكا للواقف معينا خاليا من النزاع. و من ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية و القانون و لما كان من الثابت- في قضية الحال- أن المحبس كان عمره 99 سنة مريضا و أن قطعة الأرض المحبوسة ملكا لشخص آخر. فإن قضاة المجلس الذين قضوا بتصحيح عقد الحبس خالفوا أحكام الوقف و القانون و متى كان كذلك استوجب نقض القرار المطعون فيه ". (1)  أن يكون ممن يصح تصرفه في ماله غير محجور عليه لسفه أو دين. و يرى الأستاذ محمد طرفاني أن الوقف يبقى صحيحا حتى وإن كانت ديون الواقف تستغرق أمواله مادام أنه لم يتم الحجر عليه.

1- المادة 41 من قانون الأوقاف.

 أما بالنسبة للوقف الواقع في مرض الموت فهو باطل حسب قرار المحكمة العليا المؤرخ في 03/03/1971 "...من المقرر في الشريعة الإسلامية أن الحبس الواقع في مرض موت المحبس باطل و على مدعي بطلانه بذلك السبب إقامة البينة على أن المحبس كان مصابا وقت تحبيسه بالمرض الذي مات من جرائه...". (2)  أن يكـون مالكا للعين محل الوقف ملكية مطلقة.

2- الشروط الواجب توفرها في محل الوقف: يشترط ليكون الوقف صحيحا أن يقع على مال متقوم. و أن يكون معلوما محددا أي معلوم الأوصاف يمكن التعرف عليه دون نزاع (3) و أن يكون مشروعا، إذ لا يجوز وقف ما حرمته الشريعة الإسلامية مثل الخمور و حسب الأستاذ محمد طرفاني لا يجوز وقف المال المرهون لأنه مال مهدد بخطر الزوال. (4)

3- شروط الموقوف عليه: يشترط في الموقوف عليه إذا كان شخصا طبيعيا أن يكون موجودا و أن يقبل الوقف. أما إذا كان شخصا معنويا فيجب أن لا يشوبه ما يخالف الشريعة الإسلامية فيكون من جهات البر و الخير كالجمعيات الخيرية و المدارس و المساجد. و لا يمكن وقف عين ليستفيد من ريعها محل لممارسة الدعارة.

4- الشروط المتعلقة بالصيغة: يجب أن تكــون الصيغة واضحـة لا تـدع غموضا في فهـم إرادة الــواقف.

بالإضافة إلى هذه الشروط أخذ المشرع الجزائري بلزوم الوقف بعد صدوره أي لا يصح الــرجوع عنه. (5) و يجب أن يكون مؤبدا غير محدد بزمن. (6)

إذا اجتمعت أركـان الــوقف متوفـرة الشـروط كما تم شرحه صح الـوقف و اكتسب الشخصية المعنـويـة.

 1- قرار رقم 46546 مؤرخ في 21/11/1988، عدد 02 ،ص 60 .

2-أ/ حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 76.

3- قرار رقم 94323 مؤرخ في 28/09/1993: "من المقرر شرعا و قانونا أن يكون المال المحبس ملكا الواقف، و إلا كما جاز له أن يحبسه و أن يكون معينا- غير مجهول- و خاليا من كل نزاع و لو كان هذا المال في ال و من هثم فإن عقد الحبس الذي شمل مال المحبس مع مكال أخيه- في قضية الحال- لا يكون باطلا إلا بالنسبة لأخ المحبس المدعو "س" لكنه صحيح بالنسبة للمال المملوك له" أشار إليه أ/ حمدي باشا عمر في المرجع السابق، ص 76.

4- ا / حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 78

5- المادة 16 من قانون الأوقاف.

6- المادة 03 من نفس القانون.

  المبحث الثالث

محل الحماية الجزائية للملكية العقارية الوطنية.

ورد في دستور 23 فبراير 1989 مادتين تحددان مفهوم الأملاك الوطنية و هما المادتين 17 و 18 و عملا بهما فإن الأملاك الوطنية تشمل على مجموع الأملاك و الحقوق المنقولة و العقارية التي تحوزها الدولة و جماعاتها الإقليمية في شكل ملكية عمومية أو خاصة و تتكون من الأملاك العمومية و الخاصة التابعة للدولة، للولاية و البلدية (1) منه نستنتج أن الدستور أخذ بمبدأ إزدواجية الأملاك الوطنية و إزدواجية الملكية، وتبنى أيضا مبدأ الإقليمية حيث لا تدخل ضمن الأملاك الوطنية سوى الأملاك التابعة للأشخاص المعنويـة المتمتعة بإقليم أي الدولة، الولاية و البلدية (2) و بما أننا بصدد دراسة الملكية العقارية دون المنقولة فسنستبعد الأملاك و الحقوق المنقولة و نقسم هذا المبحث إلى الملكية العقارية الوطنية العمومية ندرسها في مطلب أول و ندرس في مطلب ثاني الملكية العقارية الوطنيـة الخاصة.

المطلب الأول

الملكية العقارية الوطنية العمومية.

حسب المادة 03 من قانون الأملاك الوطنية فإن الأملاك العقارية الوطنية العموميــة هي مجمـوع الأملاك و الحقوق العقارية التي تحوزها الدولة و جماعاتها الإقليمية ، التي لا يمكن أن تكون محل ملكية خاصة بحكم طبيعتها أو غرضها و أضافت المادة 12 من نفس القانون أنها الأملاك و الحقوق العقارية التي يستعملها الجميع و الموضوعة تحت تصرف الجمهورلاستعمالها إما مباشرة أو بواسطة مرفق عام شريطة أن تكيف في هذه الحالة بحكـم طبيعتها أو تهيئتها الخاصة تكييفا مطلقا أو أساسيا مع الهدف الخاص بهذا المرفق، و كذا الأملاك التي تعتبر من قبيل الملكية العمومية بمفهوم المادة 17 من الدستور.

ويقصد بالاستعمال المباشر الاستعمال دون المرور على المرافق العامة كالطرقات و الحدائق العامة و الشواطىء إذ يقوم به جميع المواطنين حسب الشروط نفسها على أن يكون مطابق لغرض الأملاك العموميـة، و يكــون حر و مجاني فلا يجوز منعه و لا اخضاعه لتصريح أو ترخيص قبليين. أما الاستعمال عن طريق المرافق العامة فهو استعمال الأملاك التي تكون بطبيعتها ضرورية للمرفق العام و هيئت خصيصا له و يستعملها الجمهور عن طريقـه. و يتميز عن الأملاك الأخرى التي تحوزها الهيئات المسيرة للمرفق العام دون أن تكون ضرورية له. (3)

1- المادة 02  من القانون رقم 90/30 المؤرخ في 01/12/1990 المتضمن قانون الاملاك الوطنية.

2-ا / ليلى زروقي ، حمدي باشا عمر ، المنازعات العقارية ، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع ، 2002 ، ص 89-90.

3- المرجع السابق ص93.

أما الملكية العقارية العمومية بمفهوم المادة 17 من الدستور هي المناجم و المقالع والغابات و كلها تعتبر ملكا للمجموعة الوطنية، إلا أن هذه الأخيرة ليست شخصية قانونية و بالتالي فإن الدولة هي التي تمثلها.

و لعل أهم ما يميز الأملاك العقارية العمومية عن الخاصة هو عدم قابيلتها للتصرف أو التقادم أو الحجز إذ يمنع على الأفراد وضع اليد على المال العمومي بنية التملك مهما طالت الإقامة لعدم جواز تملكه ملكية خاصة سواء تعلق الأمر بالمال في حد ذاته أو توقيع حقوق إمتلاكية عليه كحق الارتفاق.

و قد قسم المشرع الأملاك الوطنية العمومية إلى أملاك طبيعية و أملاك اصطناعية.

الأملاك الوطنية العمومية الطبيعية:

نذكر بعضها على سبيل المثال: شواطىء البحار، الأملاك البحرية و هي ملك للدولة وحدها دون الجمعات المحلية. الجزر التي تكون داخل رقاق المجاري و البحيرات و المساحات المـائية الأخرى والغابات.

الأملاك الوطنية العمومية الصناعية:

تشمل المنشآت المهيأة لاستقبال الجمهور مثل الحدائق المهيأة، البساتين العمومية، المنشآت الثقافية و الرياضية، الآثار العمومية، المتاحف، الأماكن الأثرية، الطرق العادية و السريعة. (1)

و حتى تكتسب الأملاك الوطنية صفة العمومية يتم إدماجها إما بالتعاقد أو بالطرق الجبرية كالتأمين   و نزع الملكية للمنفعة العامة. إلا أن الإدماج يختلف باختلاف طبيعـة الملك، فبالنسبة للأملاك الطبيعيـة تكتسبها الإدارة بفعل الواقـع و ليس بتصرف قانوني فيتم بصورة آلية و لا يعتبر قرار الإدارة إلا كاشفا للحدود الطبيعية للمال كالشواطىء. أما الأملاك النهرية فيتم إدماجها بقرار تخصيص بعد تحقيق وجاهي لإعطاء حماية أكثر للملاك المجاورة. (2) و بالنسبة للأملاك الصناعية يشترط صدور قرار بإدماجها و تخصيصها لأهداف المنفعة العمومية و لا يسري مفعولها إلا بعد إستيلام المنشأة و تهيئتها تهيئة خاصة وفقا لطبيعتها و حسب الغاية من استعمالها. و تتمثل قواعد الإدماج أو التكوين حسب قانون الأملاك الوطنية في قواعد تعيين الحدود الخاصة بالأملاك الطبيعية و قواعد التصفيف الخاصة بالطـرق التي نصت عليها المادة 27 و ما بعدها. و قواعد التخصيص الخاصة بالأملاك الوطنية الصناعية المنصوص عليها في المادة 33 من قانون الأملاك الوطنية.

1- راجع المادة 16 من قانون الأملاك الوطنية .

2- أ/ زروقي ليلى، حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 94-95.

المطلب الثاني

الملكية العقارية الوطنية الخاصة

لقد خصص مشرع القسم الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من الجزء الأول من قانون الأملاك الوطنية لتعداد الأملاك الوطنية الخاصة و قسمها إلى أملاك مشتركة بين الدولة و الولاية و البلدية بصفة عامة في المادة 17 ثم خص كل مادة من المواد 18-19-20 لتعداد الأملاك الوطنية الخاصة التابعة للدولة، الولاية و كذا البلدية حسب هذا الترتيب و قد عرفتها المادة 03 أنها الأملاك الوطنية غير المصنفة ضمن الأملاك العمومية و التي تؤدي وظيفة إمتلاكية و مالية في حين عرفها القانون المدني في المادة 688 أنها الأموال التي تخصص بالفعل و بمقتضى نص قانوني لمصلحة عامة أو لإدارة أو لمؤسسة عمومية أو لهيئة لها طابع إداري.

و بمفهوم المخالفة للمادة 04 من قانون الأملاك الوطنية فإن هذه الأملاك لا تخضع لقواعد الحماية مثلها مثل الملكية الخاصة، فحسب الأستاذة ليلى زروقي يجوز التمسك بالحيازة حتى في مواجهة الدولة استنادا إلى المادة 04 المذكورة أعلاه التي لم تقر الحماية التقليدية للأموال- عدم قابلية التصرف- عدم الحجز و عدم جواز التمسك بالتقـادم إلا على الأملاك الوطنية العمومية. (1) إلا أن المحكمة العليا ذهبت في قرار لها إلى عكس ذلك حيث جاء فيه: "حيث أن قضاة المجلس اعتبروا أن الأرض المتنازع عليها "أرض عرش" من أملاك الدولة و بالتالي لا يمكن الادعاء بحيازتها". (2)

غير أنه هناك جانب من الفقه يرى أن منع التصرف و الحجز و التملك عن طريق التقادم وارد على الأملاك الوطنية بصنفيها معتمدين على نص المادة 689 من القانون المدني "لا يجوز التصرف في أموال الدولة أو حجزها أو تملكها بالتقادم..." حيث أن هذه المادة لم تفرق بين الأملاك الوطنية العمومية و الخاصة بل جعلت لها نفس الحكـم. (3)

و باستقراء نصوص المواد 39-40-41 من قانون الأملاك الوطنية نستخلص أنه يمكن اكتساب الأملاك الوطنية الخاصة بعدة طـرق من بينها:

- الهبات و الوصايا التي تقدم للدولة أو لمؤسساتها العمومية ذات الطابع الإداري.

- أيلولة الأملاك الشاغرة و التي لا صاحب لها إلى الدولة.

- إلغاء تخصيص أو تصنيف بعض الأملاك الوطنية العمومية.

- استرداد بعض الأملاك الوطنية التابعة للدولة التي انتزعها أو احتجزها الغير أو شغلها دون حق أو سند.

·     و بالإضافة إلى هذه الطرق تعتبر طرقا لتكوين الأملاك الولائية الخاصة:

- إدراج الأملاك التي أنشأتها الولاية بأموالها الخاصة.

- أيلولة الأملاك المنشأة أو المنجزة بمساعدة الدولة إلى الولاية أيلولة الملكية التامة أو تحويلها إليها.

- نقل الأملاك المخصصة للأملاك الوطنية العمومية غير الخاصة ريثما يتم تهيئتها تهيئة خاصة.

·     و تعتبر طرقا لتكوين أملاك البلدية الخاصة:

- إدراج الأملاك التي أنشأتها البلدية بأموالها الخاصة.

- أيلولة الأملاك المنشأة أو المنجزة بمساعدة الدولة أو الولاية أو صندوق التضامن المشترك بين البلديات إلى البلدية أيلولة الملكية التامة أو تحويلها إليها.

- أيلولة الأملاك المختلفة الأنواع الناتجة من الأملاك الوطنية الخاصة التابعة للدولة أو الولاية إلى البلدية أيلولة الملكية التامة أو تحويلها إليها.

و لعل من أهم الأملاك الوطنية الخاصة التابعة للدولة الأراضي الفلاحية أو ذات الوجهة الفلاحية التي منحت للمنتجين في شكل حق انتفاع دائم إلى جانب التنازل الكلي عن الأملاك العقارية المبنية و المنقولة المخصصة لاستغلال هذه الأراضي، و التي تم تنظيمها بموجب القانون رقم 87/19 المتضمن ضبط كيفية استغلال الأراضي الفلاحية التابعة للأملاك الوطنية و تحديد حقوق المنتجين و واجباتهم.

و تستغل هذه الأراضي في شكل شركة مدنية تتكون من ثلاثة أشخاص على الأقل بطريقة جماعية و على الشيوع، و هو ما يعرف بالمستثمرة الفلاحية الجماعية، و استثناء قد تكون المشتثمرة الفلاحية فردية إذا كانت مساحة الأرض أو موقعها لا يتناسبان مع شغلها بشكل جماعي.

و تعتبر المستثمرة الفلاحية كشركة مدنية صاحبة حق ملكية على العقارات المبنية و العقارات بالتخصيص الموفرة لخدمة الأرض و صاحبة حق الانتفاع الدائم بالأرض مالم يتم اسقاط هذا الحق عليها حسب الشروط المنصوص عليها قانونا و تبقى الدولة مالكة الرقبة.

1-المرجع السابق، ص 198.

2- قرار رقم 196049 مؤرخ في 26/04/2000 مجلة قضائية 2000، العدد الأول، ص 30.

3- قرار المحكمة العليا رقم 198170 مؤرخ في 26/07/2000 "لا يجوز تملك أموال الدولة بالتقادم المكسب و لما ثبت من قضية الحال أن الأرض محل النزاع تم تأميمها و إدماجها ضمن الصندوق الوطني للثورة الزراعية فهي تعد ملكا عاما لا تخضع للتقادم المكسب. إن بقاء المطعون ضده في جزء من القطعة الأرضية مدة من الزمن لا يعدوا أن يكون مجرد رخصة لا تقوم معها الحيازة عملا بأحكام المادة 808 من القانون المدني"، المجلة القضائية 2002، العدد الأول، ص 275.

 الفصل الثاني

وسائل الحماية الجزائية للملكية العقارية

بعدما بينا في الفصل الأول المقصود من الملكية العقارية المعنية بالحماية الجزائية سنحاول في هذا الفصل توضيح   كيفية تطبيق و تجسيد هذه الحماية عمليا.

يقصد بالحماية بصفة عامة التدابير التي أقرها المشرع لدفع الاعتداء و فرض النظام العام و بما أن البحث يرمي إلى دراسة الجانب الجزائي للحماية فحسب فإن الحماية تتجسد في وسيلة التجريم لارتباط الجريمة بالعقوبة التي تحقق الردع العام و الخاص و تحول دون ارتكاب الجريمة من كافة أفراد المجتمع و تكرار الفاعل لسلوكه المجرم.

و سنقسم دراستنا لوسائل الحماية تبعا لأصناف الملكية العقارية بداية بالملكية العقارية الخاصة في المبحث الأول ثم الملكية العقارية الوقفية في المبحث الثاني و أخيرا الوطنية في المبحث الثالث.

 المبحث الأول

وسائل الحماية الجزائية للملكية العقارية الخاصة

تنص المادة 01 من قانون   العقوبات أن لا جريمة و لا عقوبة أو تدابير أمن إلا بقانون و بالتالي فإن وسيلة الحماية الجزائية باعتبارها تتمثل في عنصر التجريم لا يمكن التوسع فيها خارج القوانين العقابية و بالرجوع إليها لا نجد سوى نص عقابي واحد صريح يتعلق بقمع التعدي على الأملاك العقارية لكن هناك نصوص أخرى تتعلق بالعقــار و توفر له الحماية رغم أنها لا تنصب على حماية الملكية العقارية في حد ذاتها و إنما جاءت لتكريس الحماية الدستورية للحرية الشخصية وحياة الأفراد و كذا بما يكفل حماية العقار ذاته. سنحاول تحليل بعضها على سبيل المثال لا الحصر.

المطلب الأول

جريمـة التعدي على الأملاك العقاريـة

نص المشرع الجزائري في القسم الخامس من قانون العقوبات على جريمـة التعدي على الأملاك العقاريــة وقد شمل هذا القسم مادة واحدة و هي المادة 386 والتي بعد تحيين الغرامة المقررة لها تطبيقا للمادة 467 مكرر التي جاء بها القانون رقم 06/23 المؤرخ في 20/12/2006 المعدل والمتمم لقانون العقوبات يمكننا صياغتها كما يلي: يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات و بغرامة من 20.001 د ج إلى 100.000 دج كل من انتزع عقارا مملوكا للغير و ذلك خلسة أو بطرق التدليس. و إذا كان انتزاع الملكية قد وقع ليلا بالتهديد أو العنف أو بطريقة التسلق أو الكسر من عدة أشخاص أو مع حمل سلاح ظاهر أو مخبأ بواسطة واحد أو أكثر من الجناة فتكون العقوبة الحبس من سنتين إلى عشر سنوات و الغرامة من 20.001 دج إلى 100.000 دج.

من خلال دراسة نص المادة نستشف الأركان التي تقوم عليها الجريمة و التي سنبينها في الفرع الأول و نبيـن في  الفرع الثاني الجزاء المقرر لها و كذا الظروف المشددة له.

الفرع الأول

الأركان المكونة لجريمة التعدي على الأملاك العقارية

تقوم جريمة التعدي على الأملاك العقارية كغيرها من الجرائم على الأركان الثلاثة. الشرعي و نعني به النص القانوني الذي يبين الفعل المكون للجريمة و يحدد العقاب الذي يفرضه على مرتكبها، تطبيقا لمبدأ لا جريمة و لا عقوبة بغير قانون. الركن المادي و هو السلوك الذي يتعارض مع القانون و يعتبر جوهر الجريمة. و الركن المعنوي أي علم المجرم بأركان الجريمة و انصراف إرادته إلى ارتكابها.

باسقاط هذه الأركان على جنحة التعدي على الأملاك العقارية يمكن تحديدها على النحو التالي:

 أولا: الركن الشرعي.

يتمثل في نص المادة 386   من قانون العقوبات التي جاءت بتجريم فعل التعدي على الأملاك العقاريــــة و أصبغت عليه وصف الجنحة و حددت له ظروف التشديد المتمثلة فـي: الليل- التهديـد- العنف- التسلق- الكسـر- التعدد و حمل السلاح، و حددت له الجزاء و ظروف التشديد.

ثانيا: الركن المادي.

جاء في نص المادة 386 من قانون العقوبات "... كل من انتزع عقارا مملوكا للغير و ذلك خلسة أو بطرق التدليس...". و في قرار المحكمة العليا رقم 97152 المؤرخ في 17/01/1989 "من المقرر قانونا أن جريمة الاعتداء على ملكية الغير لا تقوم إلا إذا توافرت الأركان الآتية: نزع عقار مملوك للغير، ارتكاب الفعل خلسة أو بطريق التدليس". (1) و عليه فإن الركن المادي لجريمة التعدي على الأملاك العقارية يتكون من عنصرين انتزاع عقار مملوك للغير و أن يكون الانتزاع عن طريق الخلسة أو التدليس.

1- انتزاع عقار مملوك للغير: هذا يعني لقيام الجريمة يجب أن يكون الفاعل قد قام بسلوك ايجابي و هو النزع أو الانتزاع أي الأخـذ بعنف و بدون رضا المالك و بالتالي يجب أن تنتقل حيازة العقار المعتدى عليه إلى من قام بفعل الانتزاع على أن يكون الهدف من التعدي هو الاستيلاء على ملك الغير. و قد سبق لنا أن تعرضنا في الفصل الأول إلى مفهوم المالك الذي قصده المشرع حسب تفسير المحكمة العليا و بالتالي فملكية الغير المحمية هي الملكية المثبتة بسند رسمي و الحيازة الظاهرة المشروعة غير المتنازع عليها و المثبتة بشهادة الحيازة  و مالك حق الانتفاع إذا وقع التعدي على هذا الحق دون ملكية الرقبة.

قد يصدر الانتزاع من طرف شخص طبيعي أو معنوي غير الأشخاص المشار إليهم في المادة 02 من قانون الأملاك الوطنية فتحرك الدعوى العمومية ضده. أما إذا صدر من طرف دولة أو ولاية أو بلدية بصورة غير مشروعة خارج الإطار الذي حددته القوانين و الأنظمة فإن الاختصاص في الفصل في الدعوى يعود للقضاء الإداري لعدم جواز تحريك الدعوى العمومية ضدها.

إلا أن المحكمة العليا عرفت الانتزاع تعريفا خاصا و هو أن يمتنع شخص عن مغادرة العقار بعد صدور حكم نهائي يقضي بطرده منه أو الرجوع إلى ذات العقار بعد طرده منه على أن يكون دخول العقار بقصد السكن إذا تعلـق الأمر بعقار مبني، أو الفلاحة إذا كان قطعة أرض إذ يجب انتقال الحيازة من المالك أو الحائز إلى المعتدي. (1)

1- د/ أحسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 180

  أما فيما يخص مسألة وقوع الانتزاع على عقار فقد اختلفت الآراء، فحسب الأستاذ بن يوسف عبد القادر فإن الانتزاع يرد على العقار بالتخصيص دون العقار بطبيعته ففي مقال له بعنوان "مفهوم ومدلول التجريم المنصوص عليه بالمادة 386 من قانون العقوبات المتعلقة بالأموال العقارية" جاء: "ما دام أن سرقة مال منقول خلسة أو بطريق التدليس الذي يعتبره القانون عقار بالتخصيص هو الركن الوحيد الذي تعاقبه المادة 386 من قانون العقوبات أما التعدي على العقارات بطبيعتها تبقى من اختصاص القاضي المدني" . أما الأستاذ فاتح محمد التيجاني يرى أن التعدي يرد على العقارات بطبيعتها و المنقولات المخصصة لخدمتهــا و ردا على نفس المقال قال: "... إن الجرائم المنصوص عليها بالمادة 386 من قانون العقوبات تتميز عن الجرائم الأخرى التي ترتكب ضد الأموال بكونها تتعلق بالعقار أي الأشياء الثابتة مثل الأرض أو المباني و العقارات بطبيعتها و ليس فقط الأموال المنقولة التي يعتبرها القانون عقارات بالتخصيص...إن تجريم التعدي على الملكية العقارية بمفهومه المميز و الخاص بالأموال الثابتة هو قبل كل شيء تجريم أعمال العنف التي تهدف إلى انتزاع الحيازة الهادئة لعقار غير منقول و ليس فقط دعوى مدنية ترمي إلى استرداد الحيازة لأن النظام العام يقضي اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة لطلب الإنصاف و تثبيت الحق و لا يقبل تصرفات المخلة به كيفما كانت الأسباب و المبررات ". (2)

2- أن يكون الانتزاع عن طريق الخلسة أو التدليس:

لم يرد في قانون العقوبات تعريف للخلسة أو التدليس بالرغم من أهميتهما ضمن العناصر الخاصة المكونة لجريمة التعدي على الملكية العقارية. (3) و الخلسة لغة هي انعدام عنصر العلم و الموافقة لدى الغير و بالتالي يكون المقصود بالخلسة في جريمة التعدي على الملكية العقارية أن يتم الانتزاع خفية عن المالك و دون علمه أو موافقته، أما التدليس فهو عيب من عيوب الإاردة يتجسد في قيام الشخص بخداع الغير حول وجود واقعة قانونية إضرارا به أو للإفلات من القانون و يكون ذلك باستعمال طرق احتيالية كاستعمال سندات مزورة. و تجدر الإشارة أن المشرع عبّر عليه في النص باللغة الفرنسية للمادة 386 بمصطلح " FRAUDE " و الذي يقابله في اللغة العربية مصطلح "غش". (4)

1- جاء في قرار المحكمة العاليا رقم 152633 مؤرخ في 05/11/1997 "من المستقر عليه في قضاء المحكمة العليا أنه كي تقوم أركان جنحة التعدي على الملكية العقارية ينبغي أنة يكون هناك حكم أو قرار نهائي و يتم تنفيذه بتنصيب الطرف المدني في ذلك العقار و يتم عودة المتهم من جديد لاحتلال العقار و استمراره في التعدي بوجوده عليه "، د/ أحسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 179.

2- المجلة القضائية، غرفة الجنح و المخالفات، المرجع السابق، ص 51-53-55.

3- بربارة عبد الرحمن، المرجع السابق، ص 76.

4- قرار صادر عن المحكمة العليا رقم 70 مؤرخ في 02/02/1988 " يستفاد من صريح المادة 386 المحررة بالفرنسية أكن الجكنحة تتحقق بانتزاع حيازة الغير لعقار خلسة أو بطريق الغش و بناء علتى ذلك فلا جريمة ".

 هذه التعاريف لا تنطبق مع ما استقرت عليه المحكمة العليا بل أنها لم تستقر بشكل واضح حول مفهوم واحد لكل من الانتزاع و الخلسة و التدليس فهي غالبا ما تفسر التدليس بما تفسر به الخلسة  و الانتزاع و أحيانا تفـرق بينها. ففـي قرار لها عرفت الخلسة و التدليس كما يلي: "إن الخلسة أو طرق التدليس في جريمة انتزاع عقار مملوك للغير تتحقق بتوافر عنصرين: دخول عقار دون علم صاحبه و رضاه و أن لا يكون للداخل حق فيه". (1) إلا أن مجمل ما استقرت عليه المحكمة العليا في مسألة تحديد المقصود من الخلسة و التدليس بوصفهما محـور قيـام جريمة التعدي على الملكية العقارية محدد و ملخص في قرار صادر عن المحكمة العليا جاء فيه: "حيث أنه كان يتعين على مجلس قضاء المدية و قبل تطبيق المادة 386 من قانون العقوبات بيان كيفية نزع العقار المملوك للغير خلسة أو بطريق التدليس و هذا خاصة أن المادة 386 من قانون العقوبات تهدف أساسا إلى معاقبة أولئك الذين يعتدون على عقار مملوك للغير أو يرفضون إخلائه بعد الحكم عليهم بحكم مدني مبلغ تبليغا قانونيا من طرف العون المكلف بالتنفيـذ و موضوع موضع التنفيذ بمقتضى محضر الدخول إلى الأمكنة". و في قرار آخر "من الثابت قانونا أنه لثبوت عناصر جريمة التعدي على الملكية العقارية هو شغل الأمكنة خلسة أو تدليسا. و متى تبين من قضية الحال أنه لم يثبت من القرار المطعون فيه وجود حكم نهائي مدني ضد المتهم بالخروج من الأمكنة و وجود محضر معاينة يثبت بقاء المتهم فيها رغم التنفيذ ضده فإن الجريمة تبقى عندئذ غير ثابتة. و ما دام أن القرار المطعون فيه لم يراعي هذه الأوضاع فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون مما يعرضه للنقض". (2)  من خلال هذين القرارين المأخوذين على سبيل المثال فقط نستنتج أن ما استقرت عليه المحكمة العليا هو ضرورة توفر ثلاثة عناصر لقيام جريمة التعدي على الملكية العقاريـة و هي:  -   صدور حكم قضائي يقضي بطرد شخص من عقار.

-   اتمام إجراءات التبليغ و التنفيذ.

- عودة المنفذ عليه لشغل الأماكن بعد طرده منها.

أ- صدور حكم قضائي نهائي يقضي بطرد شخص من العقار:

لابد لتقديم شكوى أو تحريك دعوى عمومية بخصوص جريمة التعدي على الملكية العقارية أن يسبقها رفع دعوى أمام القسم المدني أو العقاري بخصوص ملكية العقار أو حيازته و تنتهي بصدور حكم نهائي لصالح المالك أو الحائز يقضي بطرد المعتدي من العقار المعني و يثبت ملكية أو حيازة المعتدى عليه للعقار. على أن يكون هذا الحكـم نهائي أي استنفذت فيه طرق الطعن العادية و حـاز قـوة الشيء المقضي فيه. أو أمــر صــادر عن القاضـي الاستعجالي في الحالات التي يكون فيها الطرد من اختصاص القاضي الاستعجالي. (1) و قد يقوم مقام الحكم عقد الإيجار الممهور بالصيغة التنفيذية. (2)

1- د/ أحسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 180

2- قرار رقم 150031 مؤرخ في 30/09/1997، مجلة الاجتهاد القضائي لغرفة الجنح و المخالفات، عدد خاص، الجزء الأول 2002 ، ص 219

 ب- إتمام إجراءات التبليغ و التنفيذ:

يجب أن يبلغ الحكم القضائي النهائي و ينفذ بإتباع الإجراءات القانونية إذ تنفذ هذه الإجراءات من طرف المحضرالقضائي باعتباره ظابط عمومي   مخول له قانونا تنفيذ الأحكام القضائية المدنية بصفة عامـــة و السندات التنفيذية. (3) و يتمثل التبليغ في تسليم نسخة من الحكم أو السند المــراد تبليغه إما إلى الخصم شخصيا أو أحد أقاربه أو تابعيه أو البوابين أو أي شخص يقيم في نفس المنزل على أن يؤشر في آخر المحضر "مخاطبا إياه شخصيا" أو "مخاطبا فلان" حسب الحالة، و يعطي للمنفذ عليه مهلة عشرين يوما لتسديد ما عليه و إلا تتخذ ضده إجراءات التنفيذ الجبري و التي تتجسد في هذه الحالة في الطرد من العقار بالاستعانة بالقوة العمومية. لكن يجب أن لا يتم التنفيذ الجبري إلا بعد إجراء المحاولة الودية فإذا باءت هذه الأخيرة بالفشل يحرر المنفذ محضر عدم جدوى محاولة الطرد و يطلب من وكيل الجمهورية تسخير القوة العمومية، و يتم الطرد بحضور المحضر القضائي و المنفذ لصالحه و يحرر محضر تنزيل بعد الطرد إذا تعلق الأمر بقطعة أرض و محضر طرد مع تسليم المفاتيح إذا تعلق بسكن، أما إذا تم التنفيذ في غياب المنفذ ضده يحرر محضر فتح باب المسكن و حصر الأشياء مع تسليم المفاتيح. (4)

ج- عودة المنفذ عليه لشغل الأماكن بعد طرده منها:

يعتبر هذا العنصر، الأساس في تحريك الدعوى العمومية   و الذي يسمح للمحكوم لصالحه رفع شكوى ضد المعتدي بتهمة التعدي على الملكية العقاريـة مع إرفاق شكواه بالحكم القضائي أو السند التنفيـذي الذي قــضى بالطرد و المحاضر التي تثبت احترام إجراءات التنفيذ و استيفائها. فإذا عاد المحكموم عليه بالطرد إلى العقار الذي طرد منه بعد التنفيذ عليه قانونا انطبقت عليه صفة المتهم بجريمة التعدي على الملكية العقارية.

من خلال دراستنا لما استقرت عليه المحكمة العليا نستنتج أن المتهم في جريمة التعدي على الملكية العقارية هو الشخص الذي يحتل أو يعتدي على العقار مرتين على الأقل إذ لا يمكن متابعة شخص احتل عقار شخص آخر لمرة واحدة و بالتالي يمكننا القول أن الركن المادي لجريمة التعدي على الملكية العقارية لا يقوم إلا بتكرار السلـوك الإيجابي و المتمثل في دخول العقار لأكثر من مرة و من ثم يمكن تصنيفها ضمن جرائم الاعتياد. ثم أن المستقر عليه يلزم مالك أو حائز العقار باتخاذ طريق الدعوى المدنية بإجراءاتها المعقدة و الطويلة مع ما تتطلبه من مصاريف و وقت و ربما تعطيل مصالحه لإثبات ملكيته، و قد لا يفصل فيها إلا بعد وقت طويل يتسع بقدر كبير للمعتدي لإحداث تغييرات في العقار و ممارسة نشاط فيه مما قد يسبب خسائر للمالك يصعب تداركها فيما بعد حتى أن المحكمة العليا لم تستثني المالك أو الحائز بسند رسمي يثبت صفته.

1- من بين القضايا التي تدخل في اختصاص القاضي الاستعجالي:- الطرد من السكن الوظيفي بعد انتهاء علاقة العمل بحكم أن الإيجار تابع لعقد العمل- طرد الشاغل بدون سند أو وجه حق من العين التي يشغلها و غيرها، لأكثر تفصيل راجع بربارة عبد الرحمن، المرجع السابق، ص 85.

2- راجع المرسوم التشريعي رقم 93/03 المؤرخ في 01/03/1993 المتضمن النشاط العقاري خاصة المادة 22 منه.

3- المادة 05 من القانون 91/03 المؤرخ في 08/01/1991 المتضمن تنظيم مهنة المحضر القضائي.

4- بربارة عبد الرحمن ، المرجع السابق، ص 90.

 و قد يعترف المتهم أمام القاضي الجزائي بدخوله عقار الضحية دون وجه حق و بطريقة غير شرعية فالسؤال الذي يطرح نفسه هو مدى إلتزام القاضي بأركان الجريمة حسب منظور المحكمة العليا أي هل يكتفي باعتراف المتهم إذا ما اقتنع به أم أن اعترافه لا يغني عن توفر أركان الجريمة و بالتالي عنصري الخلسة و التدليس حسب تعريف المحكمة العليا لهما، مما يلزمه بإرجاء الفصل في الدعوى المطروحة أمامه إلى حين الفصل في الملكية العقارية مـــن طرف القاضي العقاري باعتبارها مسألة فرعية.

على ضوء ما تقدم من تحليل   فإنه يستساغ لنا القول – في مقامنا البسيط هذا- أن ما استقرت عليه المحكمة العليا لا يضمن حماية الملكية العقارية جزائيا خاصة أن جريمة التعدي على الملكية العقارية هي الوحيدة المنصوص عليها صراحة في قانون العقوبات كوسيلة لحماية الملكية العقارية. إلا أن هذا الموقف غير ملزم للجهات القضائية لكونه ليس إجتهاد قضائي ثم حتى و إن سلمنا أنه إجتهاد فيبقى غير ملزم للقضاة الذين يلزمهم النص القانوني لا غير. (1)

و هناك مسألة جديرة بالإشارة إليها غالبا ما تطرح على القاضي الجزائي الناظر في الدعوى و هي الدفع المقدم من المتهم- يتمسك بموجبه في مواجهة الضحية الحائزة- بملكيته للعقار ففي هذه الحالة إذا تبين للقاضي الجزائي أن الدفع جدي و من شأنه أن ينفي وصف الجريمة على الوقائع فإنه يتعين عليه تأجيل الفصل في الدعوى ريثما تفصل المحكمة المدنية في مسألة الملكية العقارية بسعي من المتهم الذي تحدد له المحكمة الجزائية مهلة لاستصدار الحكم المدني بصدد ملكية العقار، و نظر القاضي الجزائي في هذا الدفع أساسه نص المادة 331 من قانون الإجراءات الجزائية التي تسمح بإبداء الدفوع إذا كانت –بطبيعتها- تنفي عن الواقعة التي تعتبر أساسا للمتابعة وصف الجريمة، فإذا قبل الدفع منحت المحكمة مهلة للمتهم يرفع خلالها دعواه أمام الجهة القضائية المختصة.

غير أن المحكمة العليا ذهبت بخلاف هذه الفكرة على أساس أن إدعاء المتهم بملكيته للعقار في مواجهة الضحية الحائزة لا ينفي عنه المسؤولية الجزائية التي تبقى   قائمة و هذا لأن حقه في الملكية لا يخول له إقتصاص حقه بنفسه بل يتوجب عليه اللجوء إلى القضاء المدني بقصد طرد الحائز من عقاره، فقيامه بهذه المهمة بنفسه يعد اعتداء مجــرما.

1- المادة الأولى من قانون العقوبات تنص" لا جريمة و لا عقوبة أو تدابير أمن بغير قانون" إلا أن الدكتور عمار بوضياف يرى أن الاجتهاد القضائي ملزم للجهات القضائية و أن مخالفتها إياه تجعل قراراتها موجبة للنقض، لتفصيل أكثر راجع بربارة عبد الرحمن المرجع السابق، ص 92.

 و هكذا قضت في قرار صادر بتاريخ 26/07/2000 ملف رقم 203501 "من الثابت في قضاء هذه المحكمة أن الحيازة الهادئة في حد ذاتها تمنح حقوقا مكتسبة للطرف المتواجد في الأرض محل النزاع و بالتالي يتعين على الطرف الآخر الذي يدعي ملكيته لها أن يسعى للحصول على حكم نهائي لصالحه يقضي بالطرد منها و أن يقوم بتنفيذه طبقا للقانون و إلا كان هو المعتدي إذا حاول استرجاع الأرض بناء على وثائق في حوزته. و لما تبين من قضية الحال أن قضاة الاستئناف لما قضوا ببراءة المتهمين من جنحة التعدي على الملكية العقارية، اعتمادا على عقد ملكية تمسك به المتهمون بحجة أن النزاع يكتسي الطابع المدني و ذلك على الرغم من أن النيابة العامة دفعت بعدم صحة هذا العقد، مطالبة بإرجاء الفصل في النزاع إلى غاية الفصل في دعوى التزوير و هو الدفع الذي لم يستجب له القضاة فإنهم يكونون قد عرّضوا القرار المطعون فيه إلى النقض والإبطال. إن جريمة التعدي على الملكية العقارية تقوم بمجرد وقوع انتزاع العقار خلسة أو بطريق التدليس بغض النظر عن أمر ثبوت الملكية من عدمه الذي يرجع الفصــل فيـه إلى الجهات القضائية المختصة". (1)

إن التضارب بين الرأيين السابق سردهما مرجعه اختلاف قراءة كل رأي لنص المادة 386 من قانون العقوبات حول مدى حماية الحيازة من عدمها على النحو الذي تمت مناقشته في الفصل الأول فالرأي الأول مرتكز على النص العربي للمادة   المذكورة القائل بحماية الملكية فقط. فيكون حينئذ دفع المتهم بملكيته للعقار دفعا مقبولا يستحق مناقشة لأن من شأنه إذا قبل أن ينفي عن الواقعة وصف الجريمة بينما الرأي الثاني –رأي المحكمة العليا- فإنه مرتكز على النص الفرنسي للمادة القائل بحماية الحيازة فيكون حينها دفع المتهم لا يجديه نفعـا طالما أن الحائـز محمـي اتجـاه المالك.

و يتبادر إلى الذهن التساؤل عن صلاحية القاضي الجزائي في إعادة العقار المعتدى عليه إلى الطرف المدني أي الحكم بطرد المتهم من هذا العقار لتمكين الضحية من استرجاعه؟

إن القاضي الجزائي هو أصلا قاضي الدعوى العمومية و استثناء له صلاحية الفصل في الدعوى المدنية بالتبعية بنص خاص جاء به قانون الاجراءات الجزائية في المادتين 2 و 239 اللتان تمنحان الضحية حق التأسيس طرفا مدنيا في الدعوى للمطالبة بتعويض الضرر الناجم عن الجريمة الذي أصابه شخصيا. و بالتالي يقتصر دور القاضي الجزائي في نظر الدعوى المدنية على جبر هذا الضرر عن طريق التعويض. و رد العين إلى الضحية لا يدخل في مفهوم التعويض بل يبقى ذلك من اختصاص القضاء المدني بشقيه الاستعجالي و الموضوعي.

 1- مجلة الاجتهاد القضائي لغرفة الجنح و المخالفت، المرجع السابق، ص 149.

 في حالة إدانة المتهم بجنحة التعدي على الأملاك القعارية فإن هذه الإدانة تؤسس على تمتع الضحية بحيازتها للعقار أو ملكيتها له بعد ثبوت ذلك أمام القاضي الجزائي، فهل اكتسب الحكم الجزائي الحجية في المسألة التي نظرها بشأن الحيازة أو الملكية و من ثم لا يمكن للمتهم المطالبة بها أمام القاضي المدني؟ و هل يمكن للطرف المدني تأسيس طلبه أمام القاضي المدني لطرد المتهم المعتدى على العقار على ما أقره له الحكم الجزائي باعتبار هذا الأخيــر سندا رسميا؟.

إن حجية الشيء المقضي تستحق باتحاد دعويين في الموضوع و الأشخاص و السبب و إن الدعوى الجزائية كان موضوعها اثبات التعدي و تطبيق الجزاء الجنائي، بينما يتمثل موضوع الدعوى المدنية التي قد يقيمها المحكوم عليه أمام القضاء المدني في منازعة الضحية في حيازتها أو ملكيتها، فيختلف موضوع الدعوى الأولى عن موضوع الدعوى الثانية، كما أن الحكم الجزائي لا يعد بمثابة سند منشأ لحق أو ناظر في أصل الحق إنما لاثبات واقعة إجرامية ألحقت ضررا بحق استند إلى سند قانوني فكان من الضروري كشف وجود هذا الحق لا خلقه، على عكس القاضي المدني الذي يسند الحق المتنازع عليه إلى أحد الخصوم. و عليه فلا مانع أن ينازع المتهم الضحية في الحيازة أو الملكية أمام القضاء المدني.

أما فيما يخص مسألة إمكانية الطرف المتضرر من جنحة التعدي على الأملاك العقارية الرجوع إلى القاضي المدني للمطالبة بطرد الشاغل المحكوم عليه، من العقار استنادا إلى الحكم الجزائي الذي قضى بالإدانة، فإن القاضي المدني ينظر في الأسانيد التي اعتمدها القاضي الجزائي، فإن كانت هذه الأسانيد التي اعتمدها القاضي الجزائي في إثبات صفة المجني عليه في الدعوى الجزائية من وسائل الإثبات المقبولة أمام القضاء المدني لإثبات صفة الحائـز أو المالك و كان قد أشار إليه الحكم الجزائي في حيثياته فلا مانع من أن يعتمد عليها القاضي المدني عند حكمه بطرد الشاغل من العقار مؤسسا حكمه على الحكم الجزائي باعتبار ما جاء فيه صحيح لحين الطعن بالتزوير فلا يجبر الطرف المدني من إعادة تقديم أدلة تثبت صفته.

أما إذا كانت الحماية الجزائية مبنية على ظاهر المستندات كأن يمنح الضحية صفة المالك استنادا إلى عقد عـرفي أو إداري غير مشهر فإن هذه الوسيلة لا ترقى إلى قوة الإثبات المطلوب في القانون المدني، فيكون الحكم الجزائي حمى الوضع الظاهر حفاظا على النظام العام و من ثم يتوجب على المدعي المدني أن يثبت صفته أمام القاضي المدني بوسائل الإثبات المنظمة بالقانون المدني.

ثالثا: الركن المعنوي.

يتحقق الركن المعنوي إذا كان المعتدي قاصدا انتزاع ملكية الغير أو حيازته. و لابد أن يكون المعتدي عالما بوجود العقار في حيازة أو ملكية المجني عليه كما يجب أن يكون أهلا لتحمل المسؤولية الجزائية بإرادته ارتكاب الفعل فتوفر عنصري الإرادة و العلم أساس قيام الركن المعنوي.

و في هذا الإطار يطرح التساؤل حول مدى وجود النية الإجرامية في حالة كون العقار المعتدى عليه محل نزاع بين المتهم و الضحية أو كانت حدوده غير معلومة و غير دقيقة؟

بما أن الركن المعنوي لهذه الجنحة يقوم بتحقق علم المتهم بكون العقار المعتدى عليه موجود في حيازة أو ملكية الضحية، و من ثم فإن وجود نزاع حول العقار أو عدم وضوح معالمه و حدوده يحول دون تحقق هذا العلم و من ثم دون تحقق الجنحة.

الفرع الثاني

الظروف المشددة لجريمة التعدي على الملكية العقارية و الجزاء المقرر لها

أولا: الظروف المشددة.

تنص الفقرة الثانية من المادة 386 من قانون العقوبات على عدة ظروف مشددة و هي ظرف الليل- التهديد- العنف- التسلق- الكسر- التعدد- حمل السلاح و تختلف الظروف المشددة عن أركان الجريمة بكون هذه الأخيــرة

شرط لتحقيق الوصف الجزائي بينما يضاف الظرف المشدد إلى أركان الجريمة و يشدد عقوبتها (1) و المقصود بظرف الليل الفترة الممتدة بين غروب الشمس و شروقها، أما التهديد فهو إكراه معنوي تندرج تحته كافة صور انعدام الرضا لدى المجني عليه، و العنف هو كل تصرف غير مشروع يلحق بالغير ضررا جسمانيا ذا طبيعة مادية، بينما التسلق هو دخول المساكن المسورة بأي طريقة عدا الدخول عن طريق الأبواب، في حين يقصد بالكسر فتح أي جهاز من أجهزة الاقفال بالقوة، و السلاح هو كل أداة يمكنها أن تمس بسلامة الجسم عند استعمالها فهي تشمـل الأسلحة الناريـة و البيضاء.

ثانيا: الجزاء المقرر لجريمة التعدي على الملكية العقارية.

تعتبر جريمة التعدي على الملكية العقارية جنحة فالمفروض ألا تقل عقوبتها السالبة للحرية عن شهرين و لا تزيد عن خمس سنوات أما المالية فلا تقل عن 20.001 دج إلا أن المشرع فرق بين الجزاء في حالكة ارتكاب الجنحة دون ارتباطها بأي ظرف من ظروف التشديد السابق ذكرها. و حالة ارتكابها مع ظـرف أو أكثر من ظروف التشديد ففي الحالة الأولى تكون العقوبة فيما يخص الحبس متراوحة بين سنة إلى خمس سنوات و الغرامة من 20.001 دج إلى 100.000 دج أما في الحالة الثانية فتشدد العقوبة لتصبح الحبس من سنتين إلى عشر سنـوات وتبقى الغرامـة متراوحة بين 20.001 دج و 100.000 دج [1]. وتجدر الإشارة أن تشديد العقوبة لا يغير من وصف الجريمة إذ تبقى جنحة في كل الأحوال و مهما كانت ظروف ارتكابها.

1- المرجع السابق، ص 78.

1 - نلاحظ أنه طبقا للتعديل الأخير لقانون العقوبات فإن أغلب الجرائم لا ترفع فيها الغرامة عند إقترانها بظروف مشددة إذ تبقى نفسها مع الجريمة البسيطة.

Ajouter un Commentaire


Code de sécurité
Rafraîchir

Hanine Abdellaziz - Copyright © 2010 
Tous droits réservés | Impressum | Contact

Connécter vous




Warning: file_put_contents(/www/htdocs/w00ccd14/templates/rt_crystalline_j15/css/css-3d31061b5a62e372692a6e42b789ec1e.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /www/htdocs/w00ccd14/libraries/joomla/filesystem/file.php on line 304

Warning: file_put_contents(/www/htdocs/w00ccd14/cache/js-82379d438341fa998c84258af7f21f72.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /www/htdocs/w00ccd14/libraries/joomla/filesystem/file.php on line 304